Policy   |   Education   |   Timely Articles   |   Speeches
Policy Speeches  
 
هل يمكن استعادة الدور القيادي الامريكي؟

السياسة الخارجية الأمريكية والعالم العربي

 

كلمة السفير تشاز فريمان في معهد واشنطن الصيفي لمجلس الشؤون العالمية

25 يونيو ‏2007‏‏

  

يسرني أن أتحدث إليكم اليوم بعد أسبوع طويل من التدقيق في علاقات الولايات المتحدة مع العالم العربي. وطلب مني التحدث عن السياسة الخارجية الأمريكية لما لها من تأثير على هذا الموضوع.

 

‏‏          تطورت علاقة الولايات المتحدة مع العرب والإسلام من مصدر اهتمام ضئيل منذ ستين عاما على مراحل إلى أحداث 11 سبتمبر التي أصبحت هاجسنا القومي.  إذ خلال معظم هذه الفترة لم يحظى العرب باهتمام معظم الأمريكيين إلا عندما كانت ترتفع أسعار البترول أو عندما تقصفهم إسرائيل أو يقوم بعض العرب بالرد بقصف إسرائيل.  أما الآن فان انشغالنا بالعالم العربي أصبح مباشرا ومستمرا ومكلفا وعسكريا بشكل كبير تكتنفه الصدمات والانقسام السياسي والإشكاليات الكبيرة والقاتلة في بعض الأحيان.  وأقحمنا فيما تسميه الإدارة الأمريكية ب"الحرب الطويلة".  وهذه حرب مع عدو لا نستطيع تعريفه بل ولا نفهمه.  ويبدو أنها ستكون طويلة في الحقيقة لأننا لا نعرف كيف سننتصر فيها ولأننا لن نعترف أبدا بأننا قد نخسرها.

 

في اليوم الأخير من البرنامج ستستمعون إلى مسؤول كبير من وزارة الخارجية، وهو مسؤول كرس نفسه للخدمة العامة وسيقول لكم كيف أن حكومة الولايات المتحدة تعتقد أنها تفعل – أو تريدكم أن تعتقدوا أنها تعمل لتعزيز مصالحنا مع العرب.  لقد أمضيت ثلاثين عاما أؤيد سياسة بلدنا الخارجية التي قادها سبعة رؤساء.  وأعرب عن إعجابي بمهارة وإخلاص الذين سلمت لهم هذه المهمة. إلا أنه لا يمكنني أن أعرب عن مدى سعادتي لأنني تخليت عنها.  سأدع المسؤول الرسمي ليتحدث باسم الحكومة، أما أنا فسأتحدث عن نفسي كالعادة.

 

    لقد غدت العلاقات الأمريكية-العربية موضوعا من الصعب التحدث عنه في محيط مهذب.  فمنذ أحداث 11 سبتمبر قمنا نحن والعرب بالطعن ببعضنا ونجح كل طرف بتشويه سمعة الطرف الآخر.  وكأن اللهجة السياسية السلبية لم تكن كافية،  فالعلاقات الأمريكية- العربية معقدة بشكل كبير بحيث من الصعوبة أن نفيها حقها من النقاش خلال جلسة قصيرة.

 

           وهذا لا يعود إلى كون أميركا دولة واحدة تتصرف بإرادة واحدة، وأن العرب يشكلون 23 دولة مختلفة سياسيا غالبا ما تتنافس مع بعضها ونادرا ما تتحد.  إن الأمريكيين والعرب هم جزء من مجموعات أكبر ومعقدة من الشعوب التي تتحلى بقيم متماثلة - في حالتنا هناك 850 مليون نسمة نسميهم "الغرب"، وهناك 1,4 بليون مسلم نطلق عليهم اسم العالم الإسلامي.

 

           ونحن بحاجة للبترول والغاز الذي يبيعه العرب، وهم بحاجة للمواد والخدمات التي نقوم بإنتاجها.  ونحن شعب مضياف ومحافظ ، والعرب كذلك. ونحن والعرب متكافئين تقريبا بالعدد.  وهم مثلنا من كل شكل وحجم ولون.  وكل منا متحد ليس عرقيا بل باللغات والثقافات  التي تجعلنا أعضاء مثل الأمم الكبرى التي تحتل مواقع شاسعة من الأرض.  والأمريكيون مثل العرب لديهم ديناً سائداً وهو الأشكال المتعددة من الدين المسيحي، وللعرب مذاهب متعددة من الدين الإسلامي.  إلا أننا جميعا لدينا أقليات كبيرة العدد من الذين يعتنقون الديانات الإلهية الأخرى.  وحيث أن معظم الأمريكيين مسيحيين إلا أن بعضهم يهود أو مسلمين، كذلك العرب معظمهم مسلمين إلا أن هناك الكثير من المسيحيين وبعض من اليهود.

 

           وكوننا نتشابه في الكثير من الأمور يتحتم علينا أن نكون أصدقاء.  وكنا كذلك  على مر التاريخ القصير لعلاقاتنا ليس إلا.  وأي شخص يهتم ويتابع العلاقات الأمريكية-العربية، سيجد أنها اليوم في أسوأ حال.

 

           حسناً.  وماذا في الأمر؟  هل يستحق ذلك أي أهمية؟

 

           في السياسة الخارجية، تعتبر المصلحة القومية مقياسا لكل الأمور.  إن للولايات المتحدة مصالح مهمة في غرب آسيا وشمال أفريقيا تؤكد أن لعلاقتنا مع العرب تأثير كبير عليها.  وهذه المصالح لا تنتفي بالرد على الأحداث أو بتغيير المفاهيم أو تغير الإدارات في واشنطن.  ودعوني أبين لكم أهم ست نقاط معرضة للخطر وستبقى كذلك خلال علاقاتنا مع العرب.

 

  أولاً -  دعونا نواجه الأمر بصراحة. نحن مدمنون على الطاقة.

 

           كنا في السابق أكبر مصدر للطاقة في العالم، وأصبحنا اليوم أكبر مستورد للبترول والغاز في العالم.  ونتذمر كثيرا من ارتفاع أسعار البترول. لكن في الواقع نحن على استعداد لدفع أي ثمن في محطة الوقود لنتمكن من القيادة إلى منازلنا والى الأسواق الواقعة في الضواحي بدلا من السير على قدمينا أو الانتقال بوسائط النقل العام في المدينة.  ونعتمد على الأسواق العالمية للبترول لاستيراد ثلثي طلبنا من المنتجات البترولية.  وفي المقابل يعتمد سوق البترول العالمي بشكل كبير متنامي على البترول العربي.  ويقوم العرب الآن بتزويد ربع حاجة العالم من البترول وخلال عشر سنوات سيقومون بتزويد ثلث الطلب العالمي من البترول.  وتنتج الدول العربية الآن 35% من الغاز في العالم.  وستتضاعف هذه النسبة في السنوات المقبلة.  كما تقتني الدول العربية 60% من احتياطي البترول العالمي.  وسيكون العالم بما فيه الولايات المتحدة مكتوبا له أن يصبح أكثر اعتمادا عليهم للحصول على منتجات الطاقة وليس أقل.

 

           وهذا جعل العالم (الشره للطاقة، حيث أننا هنا لنا مصلحة معينة) مهتماً في توسيع إنتاج البترول العربي وصادراته لتلبية حاجاتنا من الطاقة إضافة إلى المستهلكين الجدد الكبار مثل الصين والهند.  وهذا بدوره يمنحنا الاهتمام بسلام واستقرار العالم العربي.  لاحظوا مثلا تأثير الفوضى التي أحدثناها في العراق. إذ قبل غزونا كانت العراق مصدراً  تعتمد عليه الولايات المتحدة والأسواق الأخرى مع زيادة الصادرات المتوقعة على مر الوقت.  وحقيقة أن العراق الآن أصبح مزوداً متقلباً مع توقعات غير أكيدة،  هو أحد أسباب ارتفاع سعر البترول للمستويات الحالية.

 

           وبالإضافة إلى مصلحتنا في الوصول إلى الإنتاج العربي المتزايد من البترول والغاز، نواجه مخاطرة واضحة في تحاشي توقف مبيعات هذه المنتجات الحيوية في العالم.  وبينما قد تكون المصالح الأخرى في بعض الأحيان تفوق القلق بشأن الرفاهية العامة لبلدنا، فإنه من الحكمة الواضحة أن نحاول  تخفيف أخطار الحرب في آسيا الغربية، وبالتالي نمنع تكرار المواجهات وأزمة الطاقة التي وقعت خلال الحرب المصرية-الإسرائيلية عام 1973  ومن ثم، لدعم حرب إسرائيل المفاجئ الذي أثار الرد العربي بقطع البترول.  وهذا أساء لنا كثيرا رغم أن اقتصادنا كان في ذلك الوقت أقل اعتمادا على الاستيراد بنسبة النصف مما هو عليه الآن.

 

ثانيا -  أصبحت لدينا مصلحة قومية في تحقيق الاندماج السلمي لإسرائيل في المنطقة.

 

           لا يمكن لإسرائيل أن تأمل في الاستمتاع بالتعايش السلمي مع جيرانها العرب والمسلمين من خلال اضطهادها العسكري اللانهائي لهم وللفلسطينيين.  ولن يقبل العرب شرعية دولة يهودية في وسطهم إذا حكمت إسرائيل الشعوب العربية الأسيرة بقسوة الأحكام العسكرية بينما تقوم بتوسيع حدودها على حساب العرب.  وما لم تقوم بالتفاوض على السلام مع الفلسطينيين ستبقى إسرائيل محاصرة وغير آمنة.

 

           وبعد ستين عاماً من الوجود، فإن إسرائيل حقيقة ثابتة، إلا أن مستقبلها يبقى هشاً.  والآن يعترف القادة العرب علانية بوجود إسرائيل ويعربون عن إرادتهم في قبولها، على شرط أن تتوقف إسرائيل عن قمعها للفلسطينيين وتتوقف عن الاستيلاء على بيوتهم.  إلا أن مشاعر الاستياء والغضب إزاء إسرائيل من عامة العرب لم تكن أشد مما هي عليه الآن.  والنتيجة هو نزاع خفيف الحدة مستمر ينتابه تفجر حرب أوسع مجالاً تتورط فيها الولايات المتحدة بشكل حتمي.  ويبقى خطر تحول النزاع في الأراضي المقدسة  إلى نزاع عالمي بين مؤيدي إسرائيل وأعداءها قائماً.

 

           وفي هذه الأثناء، ودون الأمن الشخصي الذي يوفره السلام فقط، سيبدأ العديد من سكان إسرائيل المنتجين بالتفكير علانية بالبحث عن السلام والأمن خارج بلدهم.  ومن المحتمل جدا أنه بدون السلام ستذوي التجربة الصهيونية مخلفة وراءها الكراهية المريرة التي نتجت عنها وعن رد الفعل العربي. ومن منطلق المصالح الأمريكية، فان السعي لتحقيق التعايش السلمي بين إسرائيل والفلسطينيين وجيرانها العرب، ليس حلاً  بل أمراً حتمياً. إذ أن البديل لن يكون مزيداً من العنف فقط على المدى القصير، بل التنغيص الدائم للعرب ونهاية إسرائيل على المدى الطويل.

 

ثالثاً -  عندما ازداد تعريف الخلافات بين إسرائيل والغرب والعرب بعبارات دينية، أصبح لدينا اهتمام بصفة النظام الديني الذي يمارسه العرب.

 

هناك 325 مليون عربي معظمهم من المسلمين ، ومن بينهم العديد من المسيحيين وبعض اليهود رغم محاولة إسرائيل جمع يهود العالم.  ويشكل المسلمون العرب خمس المجتمع الدولي من المسلمين البالغ عدده 1,4 بليون نسمة.  إلا أن نفوذهم قوي إذ تقع الأماكن الإسلامية المقدسة في المملكة العربية السعودية كما أن لغة الإسلام هي العربية.

 

يخلق الدين شعورا من المشاركة بالهوية تتخطى العرقية وخاصة عند الرد على تشويه صورة الدين أو التمييز والإهانة والتهجم من الغرباء على أولئك الذين يعتنقون هذا الدين.   فالهجوم على العرب سواء الفلسطينيين أو العراقيين يشعر به بقية المسلمين.  والوحشية التي اكتنفت الاستعمار الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، والأعداد الكبيرة من العراقيين الذين ماتوا نتيجة للعقوبات الأمريكية الاقتصادية التي امتدت على مدى عقد من الزمن، وتلاها غزو واحتلال العراق، والاعتداء الإسرائيلي الوحشي على لبنان في الصيف الماضي المؤيد من الولايات المتحدة،  كلها نقاط  تؤخذ بالحسبان.  ويمكن بسهولة ترجمة الغضب العربي من عدم العدالة إلى غضب المسلمين ضد مرتكبي هذه الأفعال.  ويبدو أن العلاقات العدائية المتزايدة مع العرب تقوم بإبعاد المسلمين في كل مكان عن الأمريكيين.

 

كما أن تأثير السياسة الأمريكية تجاه آسيا الغربية وشمال أفريقيا يمتد ليؤثر على علاقاتنا مع بقية الدول في آسيا وأفريقيا بما فيهم الدول غير العربية المسلمة،  مثل إيران وتركيا وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا إضافة إلى دول هامة مثل نيجيريا.  ولدى الولايات المتحدة مصالح متعددة في التعاون مع هذه الدول أقلها منعهم من دعم الأعمال الإرهابية ضد الأمريكيين.  وفكروا أيضا في موضوع الطاقة.  إن هذه البلدان تحوي 20% من احتياطي العالم من البترول والغاز.

 

والمصلحة الرابعة تنبع من حقيقة أن الدول العربية والأراضي التي معظمها من المسلمين مثل إندونيسيا وماليزيا وإيران تنتشر أو  تتاخم طرق النقل الرئيسية في العالم.

إن الموضوع هنا ليس فقط أمن البترول والغاز، رغم أن ممرات كومبوك وماكاسار ومالاقا وهرمز وباب المندب هي صلات وصل حيوية في تجارة الطاقة.  إذ لا يمكنك السفر بين آسيا(التي تغدو مركز جذب اقتصادي عالمي) وأوروبا دون العبور في أجواء هذه البلدان الجوية أو البحرية.  ووضعنا كقوة عالمية يعتمد على المحافظة على  بيئة ملائمة لعبور قواتنا المسلحة.  إذ أن اللوجيستية (نقل المؤن والعتاد)أمر أساسي في الشؤون العسكرية.  ولبلدنا مصلحة كبيرة في المحافظة على علاقات التعاون العسكري مع العرب والشعوب المسلمة الأخرى للتمكن من عبور أجوائهم الجوية والبحرية.  ووجود علاقات عدائية مع هذه الدول من شأنه أن يشل قدرتنا على نشر قوتنا ليس فقط في الشرق الأوسط بل أبعد من ذلك.  ومثالاً على ذلك انظروا إلى الصعوبات التي يواجهها البنتاغون في إيجاد دولة عربية في شمال أفريقيا على استعداد للترحيب بإنشاء مركزها الرئيسي الجديد للقيادة في أفريقيا.

 

خامساً - لدينا مصلحة اقتصادية رئيسية في تشجيع العرب لإعادة استثمار أموالهم التي حصلوا عليها مقابل بيع الطاقة بالطرق التي تعود علينا بالفائدة.

 

إذ منذ أكثر من ثلاثين عاما بدأت أسعار النفط المرتفعة من إغراق اقتصادهم بالبترودولارات.  والتزم منتجو النفط العرب بإعادة توظيف هذه الأموال في الاقتصاد الأمريكي.  واستفدنا نحن وهم من هذا بشكل كبير.  أما اليوم فإن وضعنا بالنسبة للاستثمار العربي غير ملائم على الإطلاق.  إذ يعتري العرب الشك أن أموالهم المستثمرة هنا في أمان من تدخل السلطات المالية بناء على نزعات سياسية، أو آمنة من بطش  المحامين  الذين يعيشون من الابتزاز القانوني الذي يسهله لهم نظامنا الآن.  وكانت النتيجة عدم استثمار العرب في الولايات المتحدة وتحويل استثماراتهم إلى مناطق أخرى مثل الصين.  بل إن هناك إشاعة عن فك ارتباط وحدة أسعار تجارة البترول بالدولار، وقامت مؤخرا دولة عربية رئيسية منتجة للبترول بفك هذا الارتباط مع عملتها.  وهاهي الدول المصدرة للبترول تجمع فائضاً سنوياً بمقدار 600 بليون دولار أو أكثر.  لذا ستكون عواقب تغير دور الدولار في الطاقة العالمية وأسواق المواد المتعلقة بذلك ذات تأثير عميق على اقتصادنا.

 

سادساً وأخيرا - لكن ليس آخراً، لدينا مصلحة في منع المشاعر المعادية لأميركا،  وتخفيفها في النهاية،  وخاصة تلك المشاعر التي تلبس ثوب الأعمال الإرهابية ضد الأمريكيين.

 

كان من الحكمة بشكل عام في الشؤون الخارجية محاولة التفريق بين الأعداء بدلا من القيام بعمل أو قول شيء يؤدي إلى توحيدهم.  وبصراحة، وإذ ننجرف نحو الإساءة للاسلام ومعتنقيه كما يرى المسلمون في كل مكان، فقد ساهمنا في توسيع القاعدة السياسية للعرب والمسلمين المناهضين لأمريكا.  إذ تعتقد القاعدة وغيرها من أعداء أميركا أن لديهم الفرصة لتوحيد معظم العالم الإسلامي في سبيل قضيتهم ولبناء تحالف كبير ضدنا وزيادة أعداد الموالين لهم.

 

إن جهل معظم الأمريكيين وحتى المثقفين منهم  بموضوع الإسلام والعالم العربي قد ساهم بشكل كبير في الفشل الاستراتيجي مع العرب والمسلمين.  إذ من خلال عدم فهمنا لمن يعارضوننا قمنا بالاعتماد على مقارنات وهمية مع أعدائنا السابقين في ألمانيا النازية وروسيا السوفيتية.  وبدلا من محاولة فهم القاعدة ودحض قضيتها ضد تدخلنا المباشر أو غير المباشر في العالم العربي والإسلامي، قمنا بنسب أيديولوجية لها غير موجودة.  فكلمة "الفاشية الإسلامية" كلمة اخترعت في أميركا موحية/مذكرة بالمعنى المثير للعواطف لكلمة المحرقة الأوروبية، ولا علاقة لها أبدا بتاريخ العرب أو الإسلام.  وبدلا من تحليل الأهداف التي تسعى إليها القاعدة ومواليها- وهي تخليص العالم الإسلامي من وجودنا لتتمكن هي وغيرها من المتطرفين الإسلاميين من توجيهه نحو المستقبل – قمنا بمنحهم هدف هزم العالم مثلما حدث لأعدائنا الأوروبيين-الآسيويين في الماضي.  إن جهلنا وارتباكنا واهتمامنا بأنفسنا قادنا إلى فرض صور نمطية لا أساس لها على المسلمين، وإلى الاعتقاد الخاطئ أن أصدقاءنا العرب هم أعداء، وأعداؤنا هم الأصدقاء.

 

وقد قال الاستراتيجي الصيني الكبير سونزي: "اعرف نفسك واعرف عدوك، وبذلك يمكنك النصر في كل حرب".  وبالمقابل أقول هنا، إذا استمرينا في الاعتقاد بوجود شياطين خيالية وقمنا بغزو بلدان  لنبرر هلوستنا، فإننا سنخسر كل منافسة.  إن عواقب الفشل الأمريكي إزاء الميليشيات الإسلامية ستكون كبيرة جدا.  وحقيقة أن القاعدة ومواليها لا يشبهون الصورة التي رسمها العلماء لدينا لا يجعلهم أقل خطورة بل خطرين بطرق أخرى.  يجب مجابهتهم بوسائل أكثر واقعية، ملائمة وتأثيراً مما نقوم باستخدامه الآن من وسائل غير مثمرة .

 

والخبر الجيد فقط هو أن القاعدة كانت في معظم الأحيان غير بارعة.  إذ أن العديد من أعمالها تروع العرب والمسلمين مثلما تروع من تستهدفهم في الغرب، ومبادئها غير سوية بشكل واضح بحيث أنها لا تستطيع استقطاب الكثير في العالم الإسلامي.  إلا أنها أثبتت أنها تتعلم من فشلها وتقوم بتعديل تكتيكها، وعلينا أن نفترض أنها ستصحح أخطاءها على المدى الطويل.

          

لذا فإنه بمرور الوقت من المحتمل أن يصبح المتطرفون الإسلاميون أكثر براعة كأعداء للولايات المتحدة وللأنظمة العربية التي ما تزال متحدة  معنا.  وفي هذا المجال فإن ابتعاد الشعوب العربية والإسلامية عن الولايات المتحدة سيكون له أثر سلبي علينا.  إذ سيؤمن بيئة سياسية مناسبة لأعدائنا المتطرفين ليقوموا بتجنيد المزيد من الأعضاء وتقديم الدعم العملي وإخفائهم بين الشعب.  وسيجعل القادة العرب ميالين للابتعاد عن التعاون العلني معنا حتى ضد الإرهابيين الذين يستهدفوننا فقط لردعنا عن الاستمرار في دعم هؤلاء القادة.  وستتعقد قدرتنا على صد التدخلات الإيرانية التي سهلناها بسياستنا في العراق ولبنان والأراضي المقدسة. وستزيد من الحوافز التي تجعل العرب يستكينون لإيران، ويحرمنا من غطائنا السياسي الذي كان بإمكانهم توفيره لنا لوضع نهاية منتظمة ومشّرفة لتدخلنا في العراق.

 

وليس من الصعب إدراك وتحديد أسباب ابتعاد العرب والمسلمين عن الولايات المتحدة.  إنها السياسات التي خدمت مصالحنا، أو بالأحرى مصالح إسرائيل،  أكثر من مصالحهم وهي:

 

-    قرارنا بدعم جهود إسرائيل لتهدئة الفلسطينيين بدلا من الاستمرار في محاولة التوسط لتحقيق السلام الفلسطيني-الإسرائيلي.  إذ نجح هذا القرار في الحط  من مصداقيتنا كصانعي سلام دون تحقيق أمن إسرائيل.  وعزز الإسلاميين الذين يتبنون مبدأ الأحادية من الفلسطينيين ليضاهوا نظيرهم في الحكومة الإسرائيلية التي تتبنى مبدأ الأحادية.

-    تواطؤنا مع إسرائيل في جهودها لعزل وإزاحة حكومة حماس المنتخبة ديمقراطياً. وهذا لم يترك أمام حماس ملجأ إلا التوجه أكثر نحو كنف إيران.  ومن ثم حفزّ النزاع المسلح بين الفلسطينيين، وقسّم الأراضي المحتلة، وشجع إسرائيل على سحق وتجويع أحياء غزة لتستسلم، وجعل فرصة السلام العادل والدائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين المبني على مبدأ الدولتين أبعد من أي وقت مضى.

-    تحولنا الأحمق عن مهمتنا العقابية للقبض على قادة القاعدة ومعاقبة طالبان والاحتلال الطويل الأمد لأفغانستان والذي يرمي إلى إقصاء المسلمين الراديكاليين عن أي دور في الحكم.  وهذا ما ألّـب العالم الإسلامي ضد تدخلنا هناك، وخلق حياة جديدة لطالبان وأضفى عليها صفة المقاومة الوطنية التي لا تستحقها، كما منحت القاعدة مصداقية لاتهامها لنا بأننا نحارب المسلمين.  (كما أنها أدت إلى النتيجة المنحرفة بجعل أفغانستان مكانا آمنا لزراعة الحشيش وهي الآن مصدر لمعظم الهيروين في العالم).

-     مسيرتنا الكارثية في شرك العراق الاستراتيجي حيث أصبحنا نراوح الآن.  والعراق اليوم بلد محتل من قبلنا عسكرياً إلا أنه محتل من إيران سياسياً. "وسياستنا التحويلية" هناك خلقت خليطاً مفجعاً من الفوضى وقتال العصابات وزيادة في عدد الضحايا من المدنيين وانهياراً للبنى التحتية، وأدت إلى تفجر عدد اللاجئين الذين يشعرون بالمرارة ليتوجهوا إلى كل زاوية في العالم العربي ذو الغالبية السنية.

-    المضي في تطبيق غبائنا الاستراتيجي وعدم كفاءتنا السياسية-العسكرية.  إذ نُصّر على محاولة فرض حلول عسكرية على مشاكل سياسية في العراق – وبهذا نقصيها بعيدا عن الحلول السياسية – حتى عندما نتعاون مع السيطرة الشيعية والتطهير العرقي للعرب السنة ونتناقش بحثا عن طريقة للخروج من الفوضى التي خلقناها.

-    خططنا الظاهرية لاستمرار احتلالنا للعراق من خلال بناء قواعد عسكرية دائمة هناك نستطيع من خلالها السيطرة على العالم العربي.  وهذا هو الأمر الوحيد الذي توصلنا إليه ونجحنا من خلاله في توحيد العراقيين العرب من السنة والشيعة في معارضتهم لهذه القواعد.

-    تشجيعنا العلني لإسرائيل في التشويه السادي للبنان في الصيف الماضي.  إذ عزز هذا من روابط حزب الله مع إيران وحوله إلى قوة سياسية مسيطرة في لبنان.

-    وجهودنا الأخيرة في إعاقة محادثات السلام بين إسرائيل وسوريا.  إذ يضمن هذا استمرار وضع حالة الحرب على جبهة إسرائيل في الجولان، واستمرار حروب بالوكالة في لبنان، واستمرار اعتماد سوريا على إيران، واستمرار مأزق العلاقات الأمريكية-السورية.

 

إن السياسات التي أنتجت هذه المآزق لمصالحنا ومصالح أصدقائنا يجب تعديلها.  وكما ذكرت، بينت القاعدة أن لها القدرة على التعلم من أخطائها وتصحيحها.  فهل لنا أن نفعل ذلك أيضا؟ أتمنى أن أكون هنا يوم الجمعة لأوجه هذا السؤال للمسؤولين.     

 

 

 

(ترجمة: هالة جلاد سيوفي)

 

 

 
Middle East Policy Council
1730 M Street NW, Suite 512
Washington, DC 20036
Phone: (202) 296-6767  -  Fax: (202) 296-5791
info@mepc.org
HOME  |  JOURNAL  |  FORUMS  |  WORKSHOPS  |  RESOURCES  |  ABOUT  |  WHAT'S NEW
 
All Rights Reserved - 2002 - Middle East Policy Council